محمد بن جرير الطبري

501

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

من معنى قوله : " تمنيت من السوء " . لأن في قوله تمنيت لك ذلك ، معنى : حسدتك على ذلك . فعلى هذا نصب " الحسد " ، لأن في قوله : ( ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا ) ، معني : حسدكم أهل الكتاب على ما أعطاكم الله من التوفيق ، ووهب لكم من الرشاد لدينه والإيمان برسوله ، وخصكم به من أن جعل رسوله إليكم رجلا منكم رؤوفا بكم رحيما ، ولم يجعله منهم ، فتكونوا لهم تبعا . فكان قوله : ( حسدا ) ، مصدرا من ذلك المعنى . * * * وأما قوله : ( من عند أنفسهم ) ، فإنه يعني بذلك : من قبل أنفسهم ، كما يقول القائل : " لي عندك كذا وكذا " ، بمعنى : لي قبلك ، وكما : 1789 - حدثت عن عمار قال ، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس ، قوله : ( من عند أنفسهم ) ، قال : من قبل أنفسهم . ( 1 ) وإنما أخبر الله جل ثناؤه عنهم المؤمنين أنهم ودوا ذلك للمؤمنين ، من عند أنفسهم ، إعلاما منه لهم بأنهم لم يؤمروا بذلك في كتابهم ، وأنهم يأتون ما يأتون من ذلك على علم منهم بنهي الله إياهم عنه . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : ( من بعد ما تبين لهم الحق ) ، أي من بعد ما تبين لهؤلاء الكثير من أهل الكتاب - الذين يودون أنهم يردونكم كفارا من بعد إيمانكم - الحقُّ في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وما جاء به من عند ربه ، والملة التي دعا إليها فأضاء لهم : أن ذلك الحق الذي لا يمترون فيه ، كما : -

--> ( 1 ) الأثر : 1789 - كان هذا الإسناد مبتورا ، فأتممه استظهارا من الإسناد الدائر في التفسير في مئات المواضع السالفة ، أقربها رقم : 1647 وسيأتي أيضًا رقم : 1792 ، وكان الأثر نفسه مبتورا فأتممته من تفسير ابن كثير 1 : 280 ، والدر المنثور 1 : 107 .